مجمع البحوث الاسلامية

601

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

جاءت محدّثة عنه . وإنّما الّذي نقف عنده منها ، هو أنّ القرآن الكريم قد ذكر آية صريحة تذكر على لسان السّيّد المسيح ، تلك البشرى الّتي أعلنها في بني إسرائيل ، مبشّرا برسول يأتي من بعده اسمه « أحمد » . ثمّ نبحث في الأناجيل الأربعة ، فلا نجد هذه البشرى صريحة تلك الصّراحة الّتي تقطع بأنّ نبيّا اسمه « أحمد » سيجيء بعد المسيح ، وإنّما الّذي جاء في بعض الأناجيل الّتي اعتمدتها المسيحيّة إشارات ، يمكن أن تؤوّل إلى ما يفهم منه ظهور نبيّ عربيّ ، يأتي من بعد المسيح موصوفا بصفات الحمد ، وهو كلمة « بارقليط » الّذي وعد المسيح بأنّه سيأتي من بعده . وإنّه لكي نفهم هذه الإشارة الّتي جاءت على لسان المسيح ، كما رواها « يوحنّا » في إنجيله ، ينبغي أن نقف وقفة قصيرة مع السّيّد المسيح ، ومع الظّروف الّتي ولد فيها ، وما كان بينه وبين اليهود من مواقف ؛ فذلك من شأنه أن يحلّ لنا كثيرا من رموز هذه الكلمات الّتي رويت عن السّيّد المسيح عليه السّلام . في حياة المسيح عليه السّلام أكثر من حدث أثار تضارب الآراء فيه ، واختلاف النّاس عليه . فأوّلا : ميلاده من عذراء . . . [ بعد أن بحث بحثا مستوفى في شأن السّيّد المسيح قال : ] وإذا كان القرآن الكريم قد قال على لسان المسيح : يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ نقول : إذا كان القرآن قد قال هذا على لسان السّيّد المسيح ، فإنّ هذا القول يوافق تماما ما سجّلته الأناجيل عنه ، من قوله الّذي أشرنا إليه من قبل ، والّذي يقول فيه مخاطبا أتباعه : « إنّه خير لكم أن أنطلق ، لأنّه إذا لم أنطلق لا يأتيكم المعزّي » . وكلمة « المعزّي » هي إحدى المعاني الّتي فسّرت بها كلمة « باركليت » اليونانيّة ، والّتي فسّرت أيضا بمعنى : المحامي ، أو مستشار الدّفاع . والقرآن يصرّح بأنّ المسيح بشّر في الإنجيل باسم هذا الّذي سيجيء من بعده ، لا بصفته ؛ إذ يقول : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ وأحمد صفة من الحمد يشتقّ منها محمّد ، ومحمود ، وحامد ، وحمّاد . ( 14 : 922 ) مبشّرين 1 - كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ . . . البقرة : 213 الفخر الرّازيّ : واعلم أنّ اللّه تعالى وصف النّبيّين بصفات ثلاث : الصّفة الأولى : كونهم مبشّرين . والثّانية : كونهم منذرين ، ونظيره قوله تعالى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ النّساء : 165 . وإنّما قدّم البشارة على الإنذار ، لأنّ البشارة تجري مجرى حفظ الصّحّة ، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض ، ولا شكّ أنّ المقصود بالذّات هو الأوّل دون الثّاني ، فلا جرم وجب تقديمه في الذّكر . والصّفة الثّالثة : قوله : وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ البقرة : 213 .